سياسة إنتاج البترول السعودي

​​​​​​تعد المملكة العربية السعودية أهم وأكبر دولة بترولية في العالم من حيث الاحتياطي من البترول، والإنتاج، والصادرات، والطاقة التكريرية. فالمملكة تمتلك 19% من الاحتياطي العالمي، و12% من الإنتاج العالمي، وأكثر من 20% من مبيعات البترول في السوق العالمية، كما تمتلك طاقة تكريرية تصل إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يومياً، داخلياً وخارجياً . ​​

وتقدَّر احتياطات البترول الثابتة في المملكة بـنحو 267 بليون برميل، ولبيان مدى ضخامة احتياطيات المملكة، وعلى سبيل المثال فقط، فإنه بوسع المملكة مواصلة الإنتاج بمعدل يبلغ 9.5 مليون برميل في اليوم – قياساً على الاحتياطيات الثابتة فقط – لما يقرب من 80 سنة. أما إذا ما أخذت الاحتياطيات المحتملة والممكنة في الاعتبار فيمكن أن يستمر الإنتاج – بإذن الله - لأكثر من 100 سنة. كما يمكن أن تضيف الموارد غير المكتشفة عقوداً إضافية عديدة إلى عمر الإنتاج. ​​

ولقد أنجزت المملكة في عام 2010م تنفيذ خطة زيادة الطاقة الإنتاجية لتبلغ 12,5 مليون برميل في اليوم، وهذه الخطة تطلبت القيام بالكثير من الأعمال في الحقول القديمة والجديدة خلال السنوات الخمس الماضية. ويعكس قرار الاستثمار لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى هذا المستوى أن المملكة تتوقع استمرار تصاعد الطلب على البترول السعودي لسنوات طويلة، كما يعكس في الوقت نفسه رغبتها في المحافظة على طاقة إنتاجية فائضة معقولة لا تقل عن 1,5 مليون برميل في اليوم.​​

وكما حدث في الماضي، فقد ساعدت القدرة الإنتاجية الفائضة على استمرار استقرار السوق البترولية، وذلك بضخ المزيد من البترول في حالات نقص الإمدادات، أو ارتفاع الطلب بصورة غير متوقعة. وتتسق السياسة البترولية للمملكة مع نهج وسياستها المعتدلة والمتوازنة التي تراعي مصالح جميع الأطراف والقوى، وتوازن بين الحاضر والمستقبل.​​

ويركز النهج المعتدل للمملكة على التعاون الدولي، والسلام، والتنمية الاقتصادية، وتحقيق الرخاء للعالم أجمع. وتسعى سياسة المملكة البترولية إلى استقرار أسواق البترول بالموازنة بين العرض والطلب اعتماداً على ما تملكه من احتياطيات ضخمة، وطاقة إنتاجية عالية، وطاقة فائضة، تمكنها من تلبية الطلب العالمي خلال المواسم المختلفة، وعند حدوث أي نقص في الإمدادات في السوق البترولية الدولية. ​​

وتسعى المملكة، بالتعاون مع الدول المنتجة الأخرى داخل الأوبك وخارجها، لضمان توفر كميات كافية من البترول الخام في السوق الدولية، مع تفادي وجود فائض في العرض قد يؤدي إلى انهيار الأسعار في الأسواق التي تسعى المملكة إلى المحافظة على استقرارها، وتجنيبها التقلبات الحادة​ سواءً في الأسعار، أو في مستوى الطلب.​​

وتسعى المملكة للمحافظة على مستويات أسعار معقولة تحقق مصالح الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء، ليساهم هذا التوازن في نمو الاقتصاد العالمي وبالأخص اقتصاديات الدول النامية، وتحقيق عوائد مناسبة للصناعة البترولية العالمية لتحفيزها على المزيد من الاستكشاف، والإنتاج، لتلبية الطلب المتنامي على البترول.​​

والحقيقة التي لا شك فيها هي أنه ليس بوسع دول أوبك السيطرة على الأسعار، فدور أوبك محدود يقتصر على العمل على تحقيق التوازن بين العرض والطلب في سوق البترول الخام. أما الأسعار فتتأثر بعوامل عدة، مثل أوضاع سوق المنتجات البترولية كالبنزين، وزيت التدفئة، في الأسواق الرئيسة مثل الولايات المتحدة، واليابان، والاتحاد الأوروبي، والتطورات السياسية في بعض الدول المنتجة، وحركة المضاربين، وصناديق الاستثمار واتجاهها نحو الاستثمار أو عدم الاستثمار في البترول الخام، ودرجة برودة الطقس خلال فصل الشتاء، وأسعار العملات الرئيسة وبالذات الدولار الأمريكي، وغير ذلك من العوامل الأخرى. ومن بين الأدوار الرئيسة للمملكة ودول أوبك الأخرى في إطار سعيها إلى تحقيق استقرار أسواق البترول، الاحتفاظ بطاقة إنتاجية فائضة، وتعد هذه الطاقة الفائضة، رغم كلفتها الباهظة، ضرورية لتجنب الأزمات الكبرى الناجمة عن نقص الإمدادات. ​​

وثمة جانب رئيس من جوانب السياسة البترولية للمملكة هو إرساء تعاون وثيق مع الدول المنتجة والمستهلكة للبترول، فالمملكة ترتبط بتعاون بترولي ثنائي وثيق مع أغلب دول العالم، عن طريق الزيارات الرسمية، والتبادل التجاري، والاستثمارات، وتبادل المعلومات والآراء، وتنسيق السياسات. كما أن المملكة عضو فاعل في العديد من المنظمات والتجمعات الدولية التي تهتم بقضايا البترول والطاقة، ومن أهمها منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) والمملكة العربية السعودية عضو مؤسس لهذه المنظمة التي يقع مقرها في فيينا في النمسا. ​​

وعلى المستوى العربي فإن المملكة أيضاً عضو مؤسس في منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك) ومقرها الكويت، التي تعمل على إيجاد تنسيق وتعاون بين الدول الأعضاء في مختلف القضايا البترولية، بما في ذلك المشروعات البترولية العربية المشتركة. كما أن المملكة تنسق سياساتها البترولية مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وللمملكة أيضاً تعاون بترولي وثيق ومنتظم مع الدول المنتجة والمصدرة من خارج أوبك مثل روسيا، والنرويج، والمكسيك، والهند، والصين، وغيرها. ​​

كما أن للمملكة علاقات وثيقة مع الدول المستهلكة، فبالإضافة إلى التعاون الثنائي على مختلف المستويات مع أغلب الدول الرئيسة المستهلكة للبترول مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول الاتحاد الأوروبي، وكوريا، والصين، والفلبين، وجنوب أفريقيا، والهند، فإن المملكة تقوم بدور كبير ومؤثر ضمن منتدى الطاقة الدولي، الذي يضم أكثر من سبعين دولة رئيسة منتجة ومستهلكة للبترول ومنظمات بترولية مختلفة يجتمع وزراءها وممثليها دورياً كل سنتين، ويهدف إلى تعزيز التعاون والتنسيق والحوار بين الدول المنتجة، والمستهلكة، وصناعة الطاقة. ​​

ولا شك أن نجاح المملكة في هذا السياق يُعد أمراً لافتاً، ففي الثمانينات لم تكن هناك أية اتصالات بين الجانبين، وكان عدم الثقة بين الطرفين سائداً، فاستطاعت المملكة التقريب بين وجهات النظر المختلفة، وتأسيس أرضية مشتركة للتعاون والحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، عبر آلية مؤسسية واضحة المهام والأدوار، مما كان له أثر إيجابي على الاقتصاد العالمي، واقتصاديات الدول النامية، واقتصاد المملكة بصفتها تملك أكبر احتياطي بترولي في العالم، ويهمها استقرار السوق البترولية، والإمدادات على المدى القصير والطويل. ​​

وقد بدأ منتدى الطاقة الدولي نشاطه المحدود في عام 1991م وأخذ يتوسع في هذه الأنشطة كل عام. وفي عام 2000م، عُقد المؤتمر الوزاري السابع للمنتدى في مدينة الرياض، حيث افتتحه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ودعا إلى إنشاء أمانة عامة للمنتدى لتعزيز الحوار والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة للبترول، مشيراً إلى استعداد المملكة لاستضافة هذه الأمانة في مدينة الرياض، وتقديم كافة التسهيلات لها لتحقيق أهدافها. ​​

ولقد كانت ردود الفعل على مقترح المملكة​ إيجابية، ولقيت صدى طيباً في الدول المعنية، وشهد عام 2003م تأسيس الأمانة العامة لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض، وعُقد في فبراير من عام 2011م اجتماعاً استثنائياً لوزراء ومسؤولين كبار من 90 دولة منتجة ومستهلكة، حيث تمت المصادقة على ميثاق منتدى الطاقة الدولي، والذي سيكون له دور حيوي وبنَّاء على الساحة العالمية في السنوات القادمة، والذي من شأنه أن يخدم مصالح جميع الأطراف، ويسهم في تنمية الاقتصاد العالمي. إضافة إلى ذلك فإن المملكة تربطها علاقات تعاون وثيقة مع منظمات الطاقة الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة، التي تضم الدول الرئيسة الصناعية الأكثر استهلاكاً للطاقة. ​​

فالمملكة تؤمن بضرورة – وتعمل على إيجاد – تعاون دولي مستمر ومثمر يساهم في إيجاد مناخ بنَّاء من الحوار والتفاهم يهدف إلى استقرار السوق البترولية الدولية، مما يعزز أهمية وحيوية البترول، ويمكّنه من لعب دوره كمصدر أساس للطاقة يعتمد عليه العالم من أجل الرخاء والنمو الاقتصادي. ​​​